محمد رأفت سعيد

148

تاريخ نزول القرآن الكريم

وعلى ذلك يكون تعليم الناس بتقديم النماذج المعاصرة ، والتي تمثل الجوانب المظلمة في حياة الناس وكذلك بعرض النماذج المشرقة كما مر بنا في السورة الكريمة السابقة ، ويكون أيضا بتقديم النماذج من الأمم السابقة كما رأينا في سورة الفجر ، وذكر النماذج السابقة يفيد أكثر من معنى في التربية والتوجيه ، فمن هذه المعاني : ما يتصل بإعجاز ذلك الكتاب حيث يخبر عن أحوال أقوام ، وليس من مصدر للمعرفة التعينية عن هؤلاء إلا ما يخبر الله سبحانه وتعالى به وخاصة في هذه الفترة المكية ، ومنها : وقوف الناس على تجارب واقعية للفساد والصلاح ؛ لينظروا إليها نظرة الناقد المستعيد ، والذي استعرض ما سبق من أحداث على نفسه ، وهل يرضى أن يكون على حالة من سبق في الفساد أو في الصلاح . الأمر الأخير في وقوف الناس على نتائج المواقف السابقة والتي تحققت فعلا في هلاك المفسدين مع قوتهم ، وفي نجاة المؤمنين المطيعين . فالتعليم - إذن - أخذ أسلوب تقديم تجارب السابقين في سورة الفجر ونتابع إن شاء الله بقية المعاني على ترتيبها في النزول المبارك في الجزء القادم . ومن المعاني التي تضمنتها « سورة الفجر » ما جاء في قوله تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) وتعالج هذه الآيات الكريمة جوانب نفسية في حياة الإنسان ونظرته إلى ما يصيبه في الحياة من خير أو شر . فتبين الآيات للناس أنهم مبتلون من ربهم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] فليكن الإنسان على بصيرة من حقيقة الابتلاء حتى يفوز في جانبيه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [ البقرة : 155 ] فالابتلاء يتعرض له البشر . والمعنى الثاني : يصحح خطأ يقع فيه الإنسان نتيجة حبه الشديد للمال إذ يعتبره مقياسا لإكرام الله له ، أو إهانته إياه . وهذا غير صحيح فالبسط والقبض للاختبار . قال تعالى في جانب الإمداد بالمال للإنسان : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) [ المؤمنون ] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله سبحانه إهانة له ، قال الله